” أمي رفعت رأسها بالعافية، وعيونها ماليها الذهول والكسرة، وشاربت بيديها على باب الصالون من غير ما تتكلم. مشيت بخطوات سريعة وفتحت باب الصالون، وكانت الصدمة اللي نزلت عليا زي الصاعقة. مراتي كانت قاعدة بكل هدوء وثقة، وفي إيديها كوباية شاي بتشرب منها، وقاعد جنبها راجل ببدلة أنيقة وشايل في إيده شنطة جلد سوداء، وعلى الطاولة قدامهم أوراق ومستندات كتير مكتوبة ببنود قانونية ورسمية. أول ما دخلت، رفعت رأسها وبصتلي بابتسامة باردة جداً.
. نظرة انتصار كشفتلي قد إيه أنا كنت مغفل. قالتلي بصوت هادي وثابت هز أركاني: “أهلاً يا عريس.. اتفضل اقعد، المحامي أستاذ سامح كان مستنيك عشان في شوية أوراق لازم تطلع عليها قبل ما تمشي.” قربت منها وأنا بصرخ ودمي بيفور: “أوراق إيه وزفت إيه؟! وإيه الهدوء ده؟ ومين الأستاذ ده أصلاً؟ أنتِ اتجننتِ ولا إيه اللي بيحصل في بيتي؟” وقفت بكل ثبات، ومن غير ما ترفع صوتها، وقالتلي: “أولاً.
. ده مش بيتك. ده بيتي أنا.. الشقة دي مكتوبة باسمي من زمان ورثاً عن أبويا. وثانياً، الأستاذ ده المحامي بتاعي، وبما إنك رفضت تصرف على عزوماتك وعيلة أختك، وطالبتني أطلع من ورثي للزمن.. أنا فعلاً طلعت للزمن، بس بطريقتي.” سحبت الورقة الأولى من قدام المحامي وحطتها في وشي: “دي دعوى خلع اتفعت عليك النهاردة الصبح في المحكمة. ومفيش داعي للمماطلة، لأن كل قضايا النفقة والمؤخر والتمكين جاهزة.
” كملت وهي بتبص لإخواتي وأمي اللي كانوا سامعين كل كلمة من برة: “أما بالنسبة للشقة.. فأنا بعتها النهاردة بالكامل بعقد رسمي مسجل، وأخدت الفلوس حطيتها في البنك باسمي. والمالك الجديد استلم الشقة من ساعة واحدة، والأستاذ المحامي بيبلغك إن معاك مهلة ساعتين بالظبط تلم فيهم هدومك وهدوم الحاجة وإخواتك وتفضوا المكان، وإلا الجهات المختصة هتيجي تنفذ محضر إخلاء للمالك الجديد فوراً! ” رجليه ما شالتنيش، وقعدت على أقرب كرسي وأنا حاسس بدوخة شديدة. “بعتي الشقة؟!
بعتي شقة أبوكي؟! أنتِ أكيد بتستعبطي! وعيلتي؟ وأمي اللي طردتيها دي تروح فين؟” ضحكت ضحكة مكتومة وقالتلي نفس الجملة اللي كنت بقولها لها لما تطلب مني فلوس للبيت: “أنت عارف ظروفي.. اطلع من معاك وما تبقاش بخيل! مش أنت معاك شبكة وهدايا غالية خطبت بيهم خطيبتك الجديدة بالداري؟ روح خدهم منها واشتري بيهم شقة لأمك، أو روح اسكن في شقة أميرتك الجديدة.
. محدش يعرف عمره يا أبو العروسة!” أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير.. عرفت منين؟! عرفت عن الخطوبة وعن الدهب إزاي؟!قبل ما أنطق بكلمة، المحامي وقف وفتح ساعته وقال بصرامة: “فاضل ساعة وخمسين دقيقة يا أستاذ.. ياريت تبدأوا تلموا شنطكم عشان المالك الجديد جاي يستلم المفاتيح.” نزلت كلماتها عليا زي المطرقة. عرفت كل حاجة..
كانت عارفة عن الشبكة والخطوبة السرية، وكل دقيقة كانت بتخدم فيها أمي وإخواتي، كانت بتدبر فيها لضــ,,ـــــربتها القاضية، وأنا المنتفخ بغروري فاكر إني بضغط عليها عشان تسلم. وقفت مشلول مش قادر أتحرك، لكن أمي وإخواتي ما استنوش. صراخ إخواتي وبكاء عيالهم ملأ الصالة، ودخلوا في حالة هيستيريا وهم بيجروا على الأوض يلموا هدومهم في أكياس وشنط قديمة.




النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.