أنا اللي كنت ماشي في المنطقة دي مرفوع الرأس، صاحب كلمة وهيئة، بقيت مسخرة الشارع والكل بيأشر عليا بصباعه. أمي أول ما شافت منظري ونظرة الرعب في عيني، قامت تقف بالعافية وهي بتتسند على اختي: “في إيه يا ابني؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وشك أصفر كدة ليه يا حبيبي؟” رديت عليها بصوت طالع من قاع البئر، صوت مكسور ميهوش أي نبرة رجولة: “الشرطة يا أمي.. طلباني بالاسم. البلاغ نزل، وتبديد عفش وشيكات.
. هتحبس!” أمي صرخت ولطمت على خدودها: “يا لهوي يا فضيحتنا! هتحبس يا ابني؟! طب والعمل؟ اتصل بأميرتك الجديدة.. اتصل بأبوها يلحقك أو يدفعلك كفالة! أنت مش جيبتلهم دهب وألماظ بآلاف؟ خليهم يقفوا جمبك!” ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة واحد أدرك إنه بقى تحت السفرة خلاص: “عروسة إيه وأميرة إيه يا أمي؟! العروسة أبوها رفضني وقفل السكة في وشي وعملي حظر، والدهب اللي حيلتي كله راح، ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيرضى يبص في وشي دلوقتي!
كل ده بسبب فكرتك. . وبسبب طمعي وعنادي!” إخواتي أول ما سمعوا كلمة “شرطة” و”حبس”، ملامحهم اتغيرت في ثانية. الشفقة اللي كانت في عيونهم تحولت لخوف ورغبة في النجاة بأنفسهم. واحدة منهم شالت شنطتها وقالت ببرود: “أنا ماشية يا أخويا، جوزي مستنيني وما ينفعش أتورط في قضايا ومباحث.” والثانية سحبت عيالها وراها وقالت: “وأنا كمان مش هقعد في الشارع، هروح لبيت جوزي قبل ما الدنيا تظلــ,,ـــــم.
” سابوا أمهم الواقفة على رجل واحدة وسابوني أنا اللي كنت فاكر إنهم سندي، ومشيوا يجروا خطاويهم كأننا وباء خايفين يتعدوا منه. بقيت أنا وأمي بس.. واقفين وسط كراتين وشنط هدوم متبهدلة في نص الشارع. الشمس كانت بتغرب، والنور بانسحب من الدنيا زي ما الأمل انسحب من قلبي. أمي قعدت على الأرض تبكي وتندب حظها، وأنا مسكت الشنطة اللي مراتي رمتها لي عند البواب، وسحبتها بإيد مهدودة.
رجلي كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، وأنا ماشي في اتجاه قسم الشرطة عشان أسلم نفسي، لأن الهرب مش هيفيد، ومفيش مكان أستخبى فيه ولا قرش في جيبي أدفع بيه أجرة تاكسي. طول الطريق وأنا ماشي على رجلي، شريط حياتي كان بيمر قدام عيني. افتكرت لما كانت بتمسح وتطبخ وتخدم، وأنا بقعد بكل برود أراقبها وأتمنى كسرتها. افتكرت لما كانت بتقولي “القرشين دول شايلهم للزمن”، وأنا أرد بقسوة.
اكتشفت إنها كانت أذكى مني بألف مرة، ردتلي الصاع صاعين، وأخدت حقها وتارها، وسابتني لا طالت عروسة جديدة، ولا حافظت على بيتي، ولا حتى ملكت حريتي. وصلت باب القسم، الوقفة قدام اللوحة الرخام السوداء كانت بتمــ,,ـــــوتني في اليوم ألف مرة. أخدت نفس عميق ودخلت، وسلمت نفسي للأمين اللي على الباب. وبعد ساعات من التحقيق، انقفل الباب الصاج المصدّي عليا وعلى المساجين، ولقيت نفسي قاعد في زاوية ضيقة على الأرض الباردة، وسط ريحة المكان والظلــ,,ـــــمة.
قعدت أحــ,,ـــــضن رجلي لصدـ,,ـــري وأبكي بحــ,,ـــــرقة.. دموع ندم ملهوش أي قيمة دلوقتي. وفي وسط الظلــ,,ـــــمة دي، سمعت صوت العسكري ينادي من وراء القضبان بصوت عالي: “المتهم فلان.. اطلع، في زيارة مستنياك برة!” رفعت رأسي بذهول.. مين ممكن يجيلي في وقت زي ده؟ أمي اللي حيلتها مكسورة؟ ولا المحامي؟ ولا في صدمة جديدة مستناني برة؟قمت من على الأرض الباردة بالعافية، رجليا كانت بتخبط في بعضها. مشيت ورا العسكري وأنا عقلي بينبض بالأسئلة..




النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.